السيد كمال الحيدري

89

شرح بداية الحكمة

فالأولى هي وحدة تتّصف بها الذات الممكنة ، وتكون مغايرة لها مغايرة الصفة للموصوف ، فهذه الوحدة هي صفة زائدة في الممكنات المركبة من وجود وماهية ، ولهذا لا تكون الوحدة فيها عين ذاتها . والثانية هي وحدة عين الذات ، وليس للذات حيثية وراء الوحدة . وتنحصر الوحدة بهذا المعنى في الواجب الذي ليس له حيثية إلَّا الوجود . والوحدة هنا تساوق الوجود ويستحيل فرض ثان لها . وحيث إنّ الواجب سبحانه وجود صرف ، فالوحدة عين ذاته تعالى ، لا أنها صفة زائدة على ذاته . فالوحدة بالمعنى الثاني هي الصرف من كل شيء . والصرافة تطلق على معنيين : الصرافة في الماهية ، والصرافة في الوجود . أما الصرافة في الوجود فقد تقدّم في الأحكام السلبية للوجود أن معنى الصرف هو أن الوجود لا ثاني له ؛ لأن أصالة الوجود الواحد وبطلان كل ما يفرض غيراً له ، ينفي عنه كل خليط ، فالوجود صرف في نفسه وصرف الشيء لا يتثنّى ولا يتكرر . فإذا كان الوجود صرفاً فلا يقبل التثنية ؛ لأن التثنية تقتضي التميّز ، ولابدّ أن ينضمّ إلى حقيقة الوجود شيء لكي يتحقّق التميّز . أما الصرافة في الماهية ، فقد تقدّم في البرهان الثاني لإثبات الوجود الذهني وهو برهان الصرف ، أنه يمكن تصوّر الصرف من كل شيء كالبياض والإنسان ، وماهية الإنسان بما هي لا تقبل التكرر ، وإنما تقبل التكرر إذا انضمّ إليها ضمائم خارجية كالطول والعرض والحجم . وعليه فإن للصرف إطلاقين : الصرف في الماهية ، والصرف في الوجود . وإطلاق الصرف في الماهية غير تام ، فتختصّ الصرافة بالوجود ؛ لأن الصرافة تلازم الوحدة . وحيث إنّ الوحدة تساوق الوجود ، فلا يمكن أن تكون مساوقة للماهية . وكون الإنسان واحداً بالوحدة الصرفة إنما هو بلحاظ وجوده لا ماهيته ، فإن الماهية ليست واحدة ، بل هي مركبة من جنس وفصل لا أقلّ ، فلا